الشرط الجزائي في العقود في القانون الأردني: أحكامه وشروطه وإمكانية تعديله أمام القضاء

  • الرئيسية
  • غير مصنف
  • الشرط الجزائي في العقود في القانون الأردني: أحكامه وشروطه وإمكانية تعديله أمام القضاء
WhatsApp Image 2026-06-23 at 7.10.41 AM

مقدمة

يُعد الشرط الجزائي من أهم البنود التي يحرص المتعاقدون على تضمينها في العقود المدنية والتجارية، لما يوفره من ضمانة قانونية لتنفيذ الالتزامات التعاقدية، وحماية للطرف المتضرر في حال الإخلال بالعقد أو التأخر في تنفيذه. وتبرز أهمية الشرط الجزائي بصورة خاصة في عقود المقاولات، والبيع، والتوريد، والاستثمار، والشركات، والاستشارات، وغيرها من العقود التي قد يترتب على الإخلال بها أضرار مالية يصعب تقديرها أو إثباتها بعد وقوعها.

وقد نظم المشرع الأردني الشرط الجزائي ضمن أحكام القانون المدني باعتباره صورة من صور التعويض الاتفاقي، مانحًا المتعاقدين حرية الاتفاق على مقدار التعويض مسبقًا، مع إخضاع هذا الاتفاق لرقابة القضاء تحقيقًا للتوازن بين احترام إرادة الأطراف ومنع التعسف أو المغالاة في تقدير التعويض.

وفي هذا المقال نستعرض مفهوم الشرط الجزائي في القانون الأردني، والأساس القانوني له، وشروط استحقاقه، وسلطة المحكمة في تعديله، وأهم اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، إضافة إلى كيفية صياغة الشرط الجزائي بطريقة قانونية سليمة.

أولاً: ما هو الشرط الجزائي في القانون الأردني؟

الشرط الجزائي هو اتفاق يدرجه المتعاقدان في العقد يحددان بموجبه مقدار التعويض الذي يستحقه أحدهما إذا أخل الطرف الآخر بالتزامه، أو تأخر في تنفيذ هذا الالتزام، أو نفذه على نحو مخالف لما تم الاتفاق عليه.

ويُعرف الشرط الجزائي أيضًا بأنه تعويض اتفاقي، لأنه يستند إلى اتفاق الطرفين قبل وقوع الضرر، بخلاف التعويض القضائي الذي تحدده المحكمة بعد وقوع الإخلال بالعقد.

ويهدف هذا الشرط إلى حماية الطرف المتضرر من صعوبة إثبات مقدار الضرر، وإضفاء قدر من الاستقرار والوضوح على العلاقة التعاقدية، بحيث يكون كل طرف على علم مسبق بالآثار المالية المترتبة على الإخلال بالتزاماته.

ثانياً: الأساس القانوني للشرط الجزائي في القانون الأردني

استند المشرع الأردني إلى مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، وهو من المبادئ الأساسية في القانون المدني، حيث أجاز للأطراف الاتفاق على تنظيم حقوقهم والتزاماتهم، بما في ذلك الاتفاق على مقدار التعويض الذي يستحق عند الإخلال بالعقد.

وقد نظم القانون المدني الأردني أحكام التعويض الاتفاقي، ومنح القضاء سلطة الرقابة على الشرط الجزائي، بحيث يجوز للمحكمة تخفيض التعويض إذا أثبت المدين أن المبلغ المتفق عليه مبالغ فيه بصورة كبيرة، أو أن الضرر الفعلي أقل من قيمة الشرط الجزائي.

ويهدف هذا التنظيم إلى تحقيق العدالة بين المتعاقدين، ومنع استغلال أحد الأطراف لمركزه التعاقدي بفرض شروط جزائية غير متناسبة مع الضرر المتوقع.

ثالثاً: ما أهمية الشرط الجزائي؟

يحقق الشرط الجزائي العديد من الفوائد القانونية والعملية، من أبرزها :-

ضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

الحد من الإخلال بالعقود والتأخر في تنفيذها.

توفير وسيلة سريعة لتقدير التعويض دون الحاجة إلى منازعات مطولة حول قيمته.

حماية الطرف المتضرر من صعوبة إثبات مقدار الضرر.

تعزيز الثقة والاستقرار في المعاملات التجارية والمدنية.

تقليل النزاعات المتعلقة بتقدير التعويض أمام المحاكم.

رابعاً: في أي العقود يرد الشرط الجزائي؟

يمكن إدراج الشرط الجزائي في معظم العقود المدنية والتجارية، ومن أبرزها:

عقود المقاولات.

عقود البيع.

عقود التوريد.

عقود الاستثمار.

عقود الشراكة.

عقود الشركات.

عقود الوكالات التجارية.

عقود الامتياز التجاري.

عقود الخدمات والاستشارات.

عقود تطوير البرمجيات والمشاريع التقنية.

عقود الإيجار في الحالات التي يجيزها القانون.

ولا يقتصر استخدام الشرط الجزائي على هذه العقود، وإنما يجوز الاتفاق عليه في أي عقد يرتب التزامات متبادلة بين الأطراف، ما لم يمنع القانون ذلك.

خامساً: شروط استحقاق الشرط الجزائي

لا يكفي مجرد وجود شرط جزائي في العقد حتى يصبح مستحقًا، وإنما يشترط توافر مجموعة من الشروط القانونية، وهي:

1.وجودعقد صحيح

يجب أن يكون العقد صحيحًا ومستوفيًا لأركانه وشروطه القانونية، لأن بطلان العقد يؤدي في الأصل إلى سقوط الشرط الجزائي باعتباره تابعًا للعقد

2.وجود شرط جزائي صحيح

ينبغي أن يكون الشرط الجزائي محددًا بصورة واضحة، سواء كان مبلغًا مقطوعًا أو نسبة معينة أو مبلغًا عن كل يوم أو أسبوع أو شهر تأخير.

3.إخلال المدين بالتزامه

يستحق الشرط الجزائي إذا أخل المدين بالتزامه، سواء كان ذلك بالامتناع عن التنفيذ، أو بالتأخر فيه، أو بالتنفيذ المعيب، وذلك بحسب ما اتفق عليه في العقد.

4.أن يكون الإخلال منسوبًا إلى المدين

إذا كان عدم التنفيذ أو التأخير راجعًا إلى قوة قاهرة أو سبب أجنبي لا يد للمدين فيه، فلا تقوم مسؤوليته ولا يستحق الشرط الجزائي..

سادساً: هل يشترط وقوع ضرر لاستحقاق الشرط الجزائي؟

الأصل في المسؤولية العقدية أن التعويض لا يستحق إلا إذا ترتب على الإخلال بالعقد ضرر أصاب الدائن، إلا أن الشرط الجزائي يتميز عن التعويض القضائي بأن المتعاقدين يكونان قد قدّرا التعويض مسبقًا عند إبرام العقد.

ومع ذلك، فإن الشرط الجزائي لا يمنع المحكمة من التحقق من وجود الضرر، فإذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر، أو أن الضرر الفعلي أقل من قيمة الشرط الجزائي، جاز للمحكمة تخفيض التعويض بما يتناسب مع الضرر الحقيقي، تحقيقًا للعدالة ومنعًا للإثراء بلا سبب.

سابعاً: هل يشترط توجيه إنذار (إعذار) قبل المطالبة بالشرط الجزائي؟

من أكثر المسائل التي يثار بشأنها الجدل في المنازعات العقدية مسألة ضرورة توجيه إنذار أو إعذار إلى المدين قبل المطالبة بالشرط الجزائي.

والأصل في القانون الأردني أنه إذا كان الالتزام لا يزال قابلاً للتنفيذ، فإن المدين يجب إعذاره قبل مطالبته بالتعويض، ما لم يوجد اتفاق بين الطرفين يقضي بخلاف ذلك، أو نص قانوني يعفي من الإعذار، أو أصبح التنفيذ مستحيلاً أو غير ذي جدوى بسبب يرجع إلى المدين.

ويقصد بالإعذار توجيه مطالبة رسمية إلى المدين، غالبًا بواسطة إنذار عدلي، تتضمن مطالبته بتنفيذ التزامه خلال مدة معينة، مع تنبيهه إلى النتائج القانونية المترتبة على استمرار امتناعه أو تأخره في التنفيذ.

ويهدف الإعذار إلى منح المدين فرصة أخيرة لتنفيذ التزامه قبل ترتيب مسؤوليته عن التعويض، ولذلك فإن مدى لزومه يختلف بحسب طبيعة الالتزام ونصوص العقد والظروف المحيطة بكل حالة.

ولهذا السبب، فإن الاستعانة بمحامٍ قبل توجيه المطالبة أو إقامة الدعوى يعد أمرًا بالغ الأهمية لضمان استيفاء جميع الإجراءات القانونية.

ثامناً: هل يجوز للمحكمة تخفيض الشرط الجزائي؟

نعم، منح القانون المدني الأردني المحكمة سلطة تخفيض قيمة الشرط الجزائي إذا ثبت أن التعويض المتفق عليه مبالغ فيه بصورة كبيرة، أو إذا كان الضرر الفعلي أقل من المبلغ المحدد في العقد.

ويهدف هذا الاختصاص إلى تحقيق العدالة ومنع استغلال أحد المتعاقدين للآخر من خلال فرض شروط جزائية باهظة لا تتناسب مع الضرر الحقيقي. فعلى سبيل المثال، إذا اتفق الطرفان على شرط جزائي مقداره (50,000) دينار نتيجة التأخر في تنفيذ التزام معين، وثبت للمحكمة أن الضرر الحقيقي لا يتجاوز (5,000) دينار، جاز لها تخفيض التعويض بما يتناسب مع الضرر الفعلي.

تاسعاً: هل يجوز للمحكمة زيادة الشرط الجزائي؟

الأصل أن المحكمة لا تملك زيادة قيمة الشرط الجزائي، لأن المتعاقدين هما من حددا مقدار التعويض مسبقًا، إلا إذا وجد نص قانوني خاص أو حالات استثنائية يجيزها القانون.

 الحادي عشر: هل يسقط الشرط الجزائي بفسخ العقد؟

تختلف الإجابة بحسب سبب الفسخ وطبيعة الشرط الجزائي.

فإذا كان الشرط الجزائي قد تقرر بسبب الإخلال الذي أدى إلى فسخ العقد، فإنه قد يبقى مستحقًا، أما إذا زال العقد لسبب آخر أو أصبح غير منتج لآثاره القانونية، فإن المحكمة تنظر في مدى بقاء الشرط الجزائي وفقًا لظروف كل دعوى ونصوص العقد.

الثاني عشر: أهم الدفوع التي يمكن التمسك بها أمام المحكمة

من أبرز الدفوع:-

* عدم وقوع أي ضرر

* أن الضرر أقل من قيمة الشرط الجزائي

* القوة القاهرة

* تنفيذ الالتزام بصورة صحيحة

* بطلان العقد

* بطلان الشرط الجزائي

* مساهمة الدائن في وقوع الضرر

* التنازل عن الحق بالشرط الجزائي

* عدم توجيه الإعذار في الحالات التي يشترطها القانون

الثالث عشر: أمثلة عملية

المثال الأول :-

أبرمت شركة مقاولات عقدًا لإنشاء مبنى خلال اثني عشر شهرًا، ونص العقد على غرامة مقدارها (500) دينار عن كل يوم تأخير.

تأخر المقاول عشرين يومًا دون مبرر قانوني، وبعد إعذاره أصوليًا، جاز لصاحب العمل المطالبة بالشرط الجزائي، مع احتفاظ المحكمة بحقها في التحقق من مدى استحقاقه ومقداره.

المثال الثاني

اتفق بائع ومشتري على شرط جزائي مقداره (20,000) دينار في حال التأخر في نقل الملكية

وأثبت المدين أمام المحكمة أن الضرر الحقيقي لم يتجاوز (3,000) دينار، فجاز للمحكمة تخفيض قيمة التعويض بما يتناسب مع الضرر الفعلي.

الرابع عشر: كيف تتم صياغة الشرط الجزائي بطريقة صحيحة؟

تعد صياغة الشرط الجزائي من أهم البنود في أي عقد، إذ إن الصياغة غير الدقيقة قد تؤدي إلى نزاعات قانونية أو صعوبة في تنفيذ الشرط أمام القضاء.

ولذلك ينبغي أن يتضمن الشرط الجزائي ما يلي:

* تحديد الالتزام الذي يترتب على الإخلال به الشرط الجزائي

* تحديد مقدار التعويض بصورة واضحة

* بيان ما إذا كان التعويض عن التأخير أو عدم التنفيذ أو كليهما

* النص على الإعذار إذا رغب الطرفان بتنظيم هذه المسألة صراحة

* تحديد طريقة احتساب مدة التأخير

* تجنب العبارات العامة أو المبهمة

الخامس عشر: اجتهادات محكمة التمييز الأردنية

استقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية على مجموعة من المبادئ المهمة المتعلقة بالشرط الجزائي

قرار محكمة التمييز (حقوق) رقم 2399 لسنة 2010

أكدت محكمة التمييز أن تقدير التعويض الاتفاقي من المسائل الواقعية التي تستقل بها محكمة الموضوع متى استندت إلى بينات قانونية صحيحة، وأن لها سلطة تقدير الضرر ومناقشة البينات وصولًا إلى التعويض العادل.

ويؤكد هذا القرار أن المحكمة لا تقف عند مجرد المبلغ الوارد في العقد، وإنما تنظر في مدى استحقاقه وظروف الدعوى والضرر الذي لحق بالطرف المتضرر.

قرار محكمة التمييز (حقوق) رقم 3234 لسنة 2003

كما قضت محكمة التمييز بأن الشرط الجزائي يبقى قائمًا وملزمًا للمتعاقدين، ولا يسقط إلا إذا ثبت أن صاحب الحق قد استوفى كامل حقه أو تنازل عنه صراحة أو ضمنًا.

ويؤكد هذا الاجتهاد أن انتهاء العلاقة التعاقدية أو مجرد الادعاء بالوفاء لا يكفي وحده لإسقاط الحق بالشرط الجزائي، وإنما يجب إثبات ذلك وفقًا للقواعد القانونية.

دور المحامي في منازعات الشرط الجزائي

يؤدي المحامي دورًا محوريًا في صياغة الشرط الجزائي بصورة صحيحة، وفي تقييم مدى استحقاقه، وتقديم الاستشارات القانونية، وإعداد الإنذارات العدلية، وتمثيل الموكل أمام المحاكم للمطالبة بالتعويض أو الاعتراض عليه، بما يضمن حماية حقوقه وفقًا لأحكام القانون الأردني.

يعد الشرط الجزائي من أهم وسائل حماية الحقوق العقدية في القانون الأردني، إلا أن استحقاقه يخضع لشروط وضوابط قانونية، كما يظل خاضعًا لرقابة القضاء تحقيقًا للعدالة بين المتعاقدين. لذلك فإن صياغته بصورة دقيقة، ومراعاة أحكام القانون، والاستعانة بمحامٍ عند إعداد العقود أو نشوء النزاعات، تعد من أهم الوسائل لتجنب الخلافات وحماية الحقوق.

الأسئلة الشائعة

هل يجوز الاتفاق على شرط جزائي في جميع العقود؟

يجوز من حيث الأصل في معظم العقود المدنية والتجارية، ما لم يمنع القانون ذلك.

هل يشترط وقوع ضرر للمطالبة بالشرط الجزائي؟

الأصل أن التعويض يكون عن ضرر، وللمحكمة التحقق من وجوده وتقديره

هل يجب توجيه إنذار قبل المطالبة بالشرط الجزائي؟

قد يكون الإعذار لازمًا إذا كان الالتزام لا يزال قابلًا للتنفيذ، ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بخلاف ذلك.

هل تستطيع المحكمة تخفيض الشرط الجزائي؟

نعم، إذا ثبت أن قيمته مبالغ فيها أو تجاوزت الضرر الحقيقي

هل يمكن زيادة قيمة الشرط الجزائي أمام المحكمة؟

الأصل لا، إلا في الحالات التي يجيزها القانون

هل يسقط الشرط الجزائي بمجرد فسخ العقد؟

ليس بالضرورة، وإنما يتوقف ذلك على سبب الفسخ وطبيعة الشرط ونصوص العقد

كيف أكتب شرطًا جزائيًا صحيحًا؟

يجب أن يكون واضحًا، محددًا، وأن يبين الالتزام المضمون، ومقدار التعويض، وحالات استحقاقه، مع مراعاة أحكام القانون الأردن.