الخطأ الطبي في القانون الأردني: متى تنشأ مسؤولية الطبيب عن الضرر الذي يلحق بالمريض؟

  • الرئيسية
  • غير مصنف
  • الخطأ الطبي في القانون الأردني: متى تنشأ مسؤولية الطبيب عن الضرر الذي يلحق بالمريض؟
WhatsApp Image 2026-06-25 at 7.22.11 AM

مقدمة

تُعد مهنة الطب من أسمى المهن الإنسانية لما تقوم عليه من حماية لحياة الإنسان والمحافظة على سلامته الجسدية والنفسية، إلا أن الطبيعة الدقيقة للعمل الطبي وما يرافقه من تدخلات علاجية وجراحية تجعل احتمال وقوع الخطأ قائماً في بعض الحالات. ومن هنا برزت أهمية وضع إطار قانوني يحدد متى يكون الضرر الذي يصيب المريض نتيجةً لمضاعفات طبية طبيعية، ومتى يكون ناتجاً عن خطأ طبي يرتب المسؤولية القانونية على مقدم الخدمة الصحية. وقد عالج المشرع الأردني هذه المسألة من خلال قانون المسؤولية الطبية والصحية، واضعاً ضوابط قانونية واضحة لتحقيق التوازن بين حماية حقوق المرضى وعدم تحميل الأطباء مسؤولية نتائج لا يد لهم فيها.

ما المقصود بالخطأ الطبي؟

قد عرفت المادة (2) من قانون المسؤلية الطبية والصحية الأردني : بأنه (أي فعل أو ترك أو إهمال يرتكبه مقدم الخدمة ولا يتفق مع القواعد المهنية السائدة ضمن بيئة العمل المتاحة وينجم عنه ضرر). وممكن أن نعرفهفي فهمنا للنص القانوني بأن الخطأ الطبي : هو كل فعل أو امتناع أو إهمال يصدر عن مقدم الخدمة الصحية بالمخالفة للأصول والقواعد المهنية المستقرة، ويترتب عليه إلحاق ضرر بالمريض. ولا يعني عدم شفاء المريض أو عدم نجاح العلاج بالضرورة وقوع خطأ طبي، فالأصل أن التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية مهنية تتفق مع الأصول العلمية المعتمدة، وليس التزاماً بتحقيق الشفاء أو ضمان نتيجة محددة.

لذلك فإن مسؤولية الطبيب لا تقوم لمجرد حدوث الضرر، وإنما يجب إثبات أن هذا الضرر كان نتيجة مباشرة لخطأ مهني صدر عنه.

أركان المسؤولية الناشئة عن الخطأ الطبي

حتى تقوم المسؤولية الطبية لا بد من توافر ثلاثة أركان رئيسية:-

أولاً: الخطأ الطبي

ويتحقق عندما ينحرف الطبيب أو مقدم الخدمة الصحية عن مستوى العناية المهنية المتوقعة من طبيب يمارس ذات التخصص وفي الظروف ذاتها.

وقد يتمثل الخطأ الطبي في:

  • إهمال الفحوصات اللازمة قبل التشخيص.
  • وصف علاج غير مناسب للحالة المرضية.
  • التأخر غير المبرر في تقديم العلاج.
  • إجراء تدخل طبي دون مبرر أو دون موافقة قانونية.
  • مخالفة الأصول العلمية المتعارف عليها في الممارسة الطبية.

ثانياً: الضرر

لا يكفي وقوع الخطأ وحده، بل يجب أن يترتب عليه ضرر فعلي يصيب المريض.

وقد يكون الضرر:

  • مادياً كحدوث عاهة دائمة أو إصابة بدنية.
  • معنوياً نتيجة المعاناة والآلام التي تعرض لها المريض.
  • مالياً بسبب النفقات العلاجية أو فقدان القدرة على العمل.

ثالثاً: العلاقة السببية

يجب أن يثبت المريض أن الضرر الذي أصابه كان نتيجة مباشرة للخطأ الطبي المرتكب، فإذا كان الضرر ناشئاً عن تطور طبيعي للمرض أو عن سبب أجنبي لا علاقة للطبيب به، انتفت المسؤولية القانونية.

أبرز صور الأخطاء الطبية

تتنوع الأخطاء الطبية بحسب طبيعة العمل الطبي والمرحلة التي وقع فيها الخطأ، ومن أبرزها:-

  1. الخطأ في التشخيص

يُعد التشخيص الصحيح الأساس الذي تُبنى عليه الخطة العلاجية، ولذلك فإن إهمال الوسائل التشخيصية اللازمة أو التسرع في تشخيص المرض قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة للمريض.

  1. الخطأ في العلاج

حيث أن الطبيب له حرية كاملة في اختيار طريقة العلاج التي سيتبعها لمعالجة المريض طالما كانت تلك الطريقة متوافقة مع الأصول الطبية المتعارف عليها، بل وحتى لو انطوى ذلك على ترجيح رأي طبي على سواه من الآراء طالما لم يكن هذا الرأي شاذ خارج عن نطاق المألوف.

وجديراً بالذكر أن الطبيب يُحظر عليه أن يقوم بإجراء تجارب للعلاج على المريض دون أن يكون هناك موافقة صريحة من المريض على ذلك، وأن يكون الطبيب قد أحاطه علماً بكافة الآثار الجانبية التي تتمخض عن تجربة هذا العلاج عليه وإلا أثيرت مسئولية الطبيب عن وقوعه في خطأ طبي.

ويقع الخطأ الطبي عندما يصف الطبيب دواءً غير مناسب للحالة المرضية أو يحدد جرعات علاجية خاطئة أو يهمل تحذير المريض من المخاطر والآثار الجانبية المعروفة للعلاج.

  1. الخطأ في العملية الجراحية

يتعين على الطبيب أن يبذل قصارى جهده أثناء قيامه بعملية جراحية، ويتعين أيضاً قبل أن يشرع الطبيب في إجراء تلك العملية أن يتأكد من ضرورة إجرائها وأنه لا يوجد ثمة سبيل أخر لشفاء المريض سوى القيام بتلك العملية .وتشمل الحالات التي يتم فيها إجراء العملية الجراحية بصورة تخالف الأصول الطبية أو دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة أو عند وقوع أخطاء أثناء الجراحة تؤدي إلى إلحاق ضرر بالمريض.

  1. الإهمال في المتابعة الطبية

لا تنتهي مسؤولية الطبيب بمجرد إجراء العلاج أو العملية الجراحية، بل تمتد إلى متابعة حالة المريض واتخاذ الإجراءات اللازمة عند ظهور أي مضاعفات تستوجب التدخل الطبي.

5. إغفال إعلام المريض بتفاصيل حالته:

يقع على عاتق الطبيب الألتزام – مثله مثل أي مهني – أن يُعلم ويخبر المريض بكافة تفاصيل حالته الصحية حتى يكون على بينة من أمره ليتسنى له تحديد ما يتوجب على الطبيب فعله، فالطبيب يجب أن يحيط المريض علماً بالوضع الطبي لحالته الصيحة ليكون المريض على مقدرة في أن يوازن بين الفوائد المضار التي ستعود عليه من القرار الذي هو مُقدم على اتخاذه. وواجب الإعلام يتمخض عنه عدة واجبات ثانوية يأتي على رأسها أن يكون الإعلام في صورة كلام بسيط يستطيع المريض أن يفهم به ما يعيه الطبيب المعالج، فلا يجوز للطبيب أن يستخدم في سبيل إعلام المريض بحالته مصطلحات طبية لا يفهما سوى ذوي التخصص الطبي لأن ذلك معناه أن المريض لن يكون على بينة من أمره .

كما ويجوز للطبيب وفي حالات محدد كما ححدها القانون بأنه للطبيب أن يخفي حالة المريض عنه إذا كان لذلك مقتضى على أن يبلغ حالته إلى ذويه، وهذا ما تقرره (المادة 19) من الدستور الطبي وواجبات الطبيب وآداب المهنة الأردني بنصها على أن: (يمكن إخفاء خطورة المرض عن المريض ولا يجوز البوح له بالترجيح المميت إلا بكل حيطة وحذر، ولكن يجب أن يحاط الأهل علماً في حالة إخفاء الأمر على المريض)

متى لا يُسأل الطبيب عن الضرر؟

هناك حالات لا تقوم فيها المسؤولية الطبية رغم عدم تحقق النتيجة المرجوة من العلاج، ومن أبرزها:

  • إذا التزم الطبيب بالأصول والقواعد الطبية المعتمدة.
  • إذا كان الضرر ناتجاً عن مضاعفات طبية محتملة ومعلومة طبياً.
  • إذا أخفى المريض معلومات جوهرية تتعلق بحالته الصحية.
  • إذا كان الضرر نتيجة تطور طبيعي للمرض لا يمكن تجنبه.

فالقانون لا يحاسب الطبيب على النتيجة بحد ذاتها، وإنما يحاسبه على مدى التزامه بواجب العناية المهنية المفروضة عليه.

إثبات الخطأ الطبي

تُعد دعاوى الخطأ الطبي من أكثر الدعاوى تعقيداً من الناحية الفنية، إذ يتطلب إثباتها الاستناد إلى الخبرة الطبية المتخصصة .

ومن أهم وسائل الإثبات:

  • الملف الطبي للمريض.
  • التقارير الطبية.
  • تقارير الخبرة الفنية.
  • الشهادات الطبية المتخصصة.
  • المستندات المتعلقة بالإجراءات العلاجية والجراحية.

وتلعب اللجان والخبرات الطبية دوراً أساسياً في بيان ما إذا كان مقدم الخدمة الصحية قد التزم بالأصول المهنية أم خالفها.

التعويض عن الخطأ الطبي

إذا ثبت وقوع الخطأ الطبي وتحقق الضرر وقيام العلاقة السببية بينهما، يحق للمتضرر المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به.

ويشمل التعويض عادةً:

  • تكاليف العلاج والرعاية الصحية.
  • الخسائر المالية الناتجة عن الإصابة.
  • فقدان الدخل أو القدرة على العمل.
  • الأضرار المعنوية والنفسية التي أصابت المريض.

ويُقدَّر التعويض وفقاً لظروف كل حالة وحجم الضرر الذي ثبت أمام المحكمة.

الخاتمة

إن تنظيم المسؤولية الطبية لا يهدف إلى التضييق على الأطباء أو الحد من رسالتهم الإنسانية، وإنما يهدف إلى ترسيخ معايير الممارسة الطبية السليمة وحماية حقوق المرضى عند وقوع الخطأ. ولذلك فإن التمييز بين المضاعفات الطبية الطبيعية والخطأ الطبي يظل من أهم المسائل التي تتطلب دراسة دقيقة للوقائع والاستناد إلى الخبرة الفنية والأحكام القانونية ذات العلاقة . ويبقى الالتزام بالأصول العلمية والمهنية الركيزة الأساسية التي تحمي الطبيب من المسؤولية، وتحفظ للمريض حقه في الحصول على رعاية صحية آمنة ومتوافقة مع أحكام القانون الأردني.

الأسئلة الشاعئة


ما المقصود بالخطأ الطبي في القانون الأردني؟
الخطأ الطبي هو كل فعل أو امتناع أو إهمال يصدر عن مقدم الخدمة الصحية بالمخالفة للأصول والقواعد المهنية المعتمدة ويترتب عليه إلحاق ضرر بالمريض.

هل يعتبر عدم شفاء المريض خطأً طبياً؟
لا، فالأصل أن التزام الطبيب هو بذل العناية اللازمة وفق الأصول الطبية المتعارف عليها، وليس ضمان شفاء المريض أو تحقيق نتيجة محددة.

ما أركان المسؤولية عن الخطأ الطبي؟
تقوم المسؤولية الطبية على ثلاثة أركان رئيسية هي: الخطأ الطبي ( التعدي ) ، والضرر، والعلاقة السببية بينهما.

كيف يمكن إثبات الخطأ الطبي أمام القضاء؟
يتم إثبات الخطأ الطبي من خلال التقارير الطبية والملف الطبي للمريض والخبرة الفنية والبينات التي توضح وجود مخالفة للأصول الطبية المتعارف عليها.

هل يمكن المطالبة بالتعويض عن الخطأ الطبي؟
نعم، إذا ثبت وقوع الخطأ الطبي وتحقق الضرر وقيام العلاقة السببية بينهما، يحق للمتضرر المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت به.

ما أكثر صور الأخطاء الطبية شيوعاً؟
من أبرزها الخطأ في التشخيص، ووصف علاج غير مناسب، والأخطاء الجراحية، والإهمال في متابعة حالة المريض.

هل يسأل الطبيب عن المضاعفات الطبية المحتملة؟
لا يسأل الطبيب عن المضاعفات الطبية الطبيعية والمتوقعة إذا كان قد التزم بالأصول المهنية وأبلغ المريض بالمخاطر المحتملة وفقاً للقانون.

هل يمكن إقامة دعوى ضد المستشفى بسبب الخطأ الطبي؟
قد تقوم مسؤولية المستشفى إلى جانب مسؤولية الطبيب إذا ثبت أن الضرر نتج عن تقصير أو إهمال من العاملين لديها أو بسبب خلل في الخدمات الطبية المقدمة.